الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

458

تفسير روح البيان

إلى تحقيق الحق ببيان ان ذوقهم العذاب ليس الا من جهتهم لا من جهة غيرهم أصلا ولكون الاستثناء منقطعا والا بمعنى لكن قال في كشف الاسرار تم الكلام هاهنا اى عند قوله تعالى ( إِلَّا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ) * والمعنى انكم لذائقوا العذاب الأليم لكن عباد اللّه المخلصين لا يذوقونه . والمخلصون بالفتح من أخلصه اللّه لدينه وطاعته واختاره لجناب حضرته كقوله تعالى ( وَسَلامٌ عَلى عِبادِهِ الَّذِينَ اصْطَفى ) اى اصطفاهم اللّه تعالى فلهم سلامة من الأزل إلى الأبد . والمخلص بالكسر من أخلص عبادته للّه تعالى ولم يشرك بعبادته أحدا كقوله تعالى ( وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ ) وحقيقة الفرق بينهما على ما قال بعض العارفين ان الصادق والمخلص بالكسر من باب واحد وهو من تخلص من شوائب الصفات النفسانية مطلقا والصديق والمخلص بالفتح من باب واحد وهو من تخلص من شوائب الغيرية أيضا والثاني أوسع فلكا وأكثر إحاطة فكل صديق ومخلص بالفتح صادق ومخلص بالكسر من غير عكس فرحم اللّه حفصا حيث قرأ بالفتح حيثما وقع في القرآن أُولئِكَ إلخ استئناف فكأن سائلا سأل ما لهؤلاء المخلصين من الاجر والثواب فقيل أولئك الممتازون عما عداهم بالإضافة والإخلاص لَهُمْ بمقابلة إخلاصهم في العبودية رِزْقٌ لا يدانيه رزق ولا يحيط به وصف على ما يفيده التنكير والرزق اسم لما يسوقه اللّه إلى الحيوان فيأكله مَعْلُومٌ الخصائص من حسن المنظر ولذة الطعم وطيب الرائحة ونحوها من نعوت الكمال والظاهر أن معناه معلوم وجودا وقدرا وحسنا ولذة وطيبا ووقتا بكرة وعشيا أو دواما كل وقت اشتهوه فان فيه فراغ الخاطر وانما يضطرب أهل الدنيا في حق الرزق لكون أرزاقهم غير معلومة لهم كما في الجنة تشنكانرا نمايد اندر خواب * همه عالم بچشم چشمهء آب هر كرا چشمه شد جدا لب أو * كي بماند بآنكه در لب جو فَواكِهُ بدل من رزق جمع فاكهة وهي كل ما يتفكه به اى يتنعم بأكله من الثمار كلها رطبها ويابسها وتخصيصها بالذكر لان أرزاق أهل الجنة كلها فواكه اى ما يأكل بمجرد التلذذ دون الاقتيات : وبالفارسية [ قوت كرفتن ] لأنهم مستغنون عن القوت لكون خلقتهم على حالة تقتضى البقاء فهي محكمة محفوظة من التحلل المحوج إلى البدل بخلاف خلقة أهل الدنيا فإنها على حالة تقتضى الفناء فهي ضعيفة محتاجة إلى ما يحصل به القوام اللهم الا خلقة بعض الافراد المصونة من التحلل والتفسخ دنيا وبرزخا وقال بعضهم لان الفواكه من اتباع سائر الأطعمة فذكرها مغن عن ذكرها يقول الفقير والظاهر أن الاقتصار على الفواكه للترغيب والتشويق من حيث إنه لا يوجد في أغلب ديار العرب خصوصا في الحجاز أنواع الفواكه وَهُمْ مُكْرَمُونَ عنده لا يلحقهم هوان وذلك أعظم المثوبات وأليقها بأولى الهمم وقال بعضهم لما فصل خصائص رزقهم بين ان ذلك الرزق يصل إليهم بالتعظيم والإكرام لان مجرد المطعوم من غير إعزاز وإكرام يليق بالبهائم ولما ذكر مأكولهم وصف مساكنهم فقال فِي جَنَّاتِ النَّعِيمِ النعيم النعمة اى في جنات ليس فيها الا النعيم فالإضافة للاختصاص والظرف يقرر محل الرزق والإكرام أو خبر آخر